مينانيوزواير، الهند: تتجه الهند بثبات نحو إعادة رسم خريطتها الاقتصادية والدبلوماسية العالمية، في خطوة تعكس نضجاً استراتيجياً وقدرة على التكيّف مع التحولات المتسارعة في النظام الدولي. فبين الضغوط التجارية القادمة من الولايات المتحدة، والتوسع الصيني المتزايد عسكرياً واقتصادياً، اختارت نيودلهي مساراً ثالثاً يقوم على تنويع الشراكات وتعميق العلاقات مع قوى اقتصادية متوسطة، وفي مقدمتها كندا ودول الاتحاد الأوروبي.

هذا التحول لا يعكس حالة ضعف، بل يعبر عن قراءة واقعية لموازين القوة العالمية، حيث باتت الهند أكثر وعياً بأن النمو المستدام لا يتحقق عبر الاصطفاف الحاد، وإنما من خلال بناء شبكة تحالفات مرنة تقوم على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي.
وخلال الأشهر الأخيرة، تسارعت وتيرة الحراك الدبلوماسي الهندي بشكل لافت، إذ تم الإعلان عن اتفاقية تجارية شاملة مع الاتحاد الأوروبي بعد مفاوضات امتدت قرابة عقدين. هذه الاتفاقية، التي وُصفت بأنها الأكبر من نوعها، تفتح الباب أمام سوق موحدة تضم نحو ملياري مستهلك، وتستهدف مضاعفة حجم التبادل التجاري خلال ست سنوات فقط، مع تضمين أبعاد صناعية ودفاعية وتقنية.
وفي السياق ذاته، عززت الهند تعاونها التجاري مع المملكة المتحدة عبر اتفاقية تجارة حرة، كما أبرمت تفاهمات اقتصادية جديدة مع سلطنة عمان ونيوزيلندا، في إطار سياسة تقوم على تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية. كما شهدت نيودلهي زيارات رفيعة المستوى من قادة أوروبيين وآسيويين وخليجيين، حملت جميعها رسائل واضحة حول ثقة متزايدة في الاقتصاد الهندي وقدرته على استيعاب الاستثمارات طويلة الأجل.
اللافت أيضًا هو التحسن الملحوظ في العلاقات الهندية الكندية، بعد فترة من التوتر السياسي. فقد أعادت اللقاءات الدولية الأخيرة فتح قنوات الحوار، وسط توقعات بإطلاق مفاوضات تجارية جديدة تعزز التعاون في مجالات الطاقة، التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد.
ورغم التحديات التي فرضتها الرسوم الجمركية الأمريكية، أظهرت الهند مرونة اقتصادية لافتة، حيث أعادت توجيه صادراتها، ووسّعت حضورها في قطاعات الإلكترونيات والصناعات ذات القيمة المضافة، ما ساهم في الحفاظ على نمو صادراتها الإجمالية.
في المحصلة، تؤكد هذه التحركات أن الهند لا تبحث عن بديل مؤقت، بل تؤسس لمرحلة جديدة من الانفتاح الذكي، عنوانها الشراكات المتوازنة، والاستقلال الاستراتيجي، وتعزيز مكانتها كقوة اقتصادية صاعدة بثقة واستقرار.
